«نبض الخليج»
للمرة الأولى منذ 14 عاما الأرض السورية ليست “ساحة صراع وأرضا للمعارك”، وبينما تتجه أنظار العالم إلى ساحات الصراع الجديدة في المنطقة، يتابع السوريون تلك المشاهد بعيون مختلفة، فبالنسبة لكثير منهم، لا تبدو الحروب مجرد أخبار عابرة، بل صور تعيد إلى الذاكرة سنوات طويلة من الحرب التي عاشوها بتفاصيلها القاسية.
ورغم أن سوريا ليست طرفا في هذه المواجهات، إلا أن متابعة ما يجري تحمل لدى بعض السوريين مشاعر متناقضة، فهناك من يرى في هذا الصراع مواجهة بين أطراف يحمّلها مسؤولية المشاركة بشكل أو بآخر في مآسي الشعب السوري خلال السنوات الماضية. ومع ذلك تحمل هذه المشاعر القلق، إذ يخشى كثير من السوريين أن تمتد تداعيات هذه الحروب إلى الداخل السوري، سواء عبر تأثيرات اقتصادية أو أمنية جديدة، وبين هذه المفارقة يجد السوريون أنفسهم خارج دائرة النار المباشرة، لكنهم في الوقت ذاته داخل دوامة مشاهدها وتداعياتها التي تلامس حياتهم اليومية.
الحرب ما زالت حاضرة في حياة السوريين
لا تعتبر الصحفية ألما راجح نفسها خارج سياق الحرب اليوم، بل ترى أنها ما تزال جزءًا منه رغم مرور أعوام على اندلاع الصراع، وتقول في حديثها لموقع تلفزيون سوريا إنه حتى خلال السنوات التي عملت فيها خارج سوريا، ثم بعد عودتها قبل نحو عام، لم تشعر يومًا بأن آثار الحرب ابتعدت عن حياتها اليومية.
موضحًة أن السوريين ما زالوا يعيشون تداعيات الحرب على مستويات مختلفة، سواء في الخدمات أو في حالة الخوف والقلق المستمرة، إضافة إلى الأحداث التي تتجدد بين حين وآخر على الأرض، مشيرًة إلى أن هذه القضايا أصبحت جزءًا من النقاشات اليومية للناس، ومصدرًا دائمًا للمخاوف والتحديات التي يواجهونها.
وترى أن هذا الواقع يطرح تساؤلات لدى كثير من السوريين حول مستقبل البلاد، ومدى إمكانية أن تكون سوريا آمنة لأهلها في السنوات المقبلة، خاصة مع التحديات السياسية والعسكرية الجديدة التي قد تؤثر على الوضع الداخلي.
كما لفتت إلى أن مشاعر القلق تظهر سريعًا مع أي تطور في المنطقة، مستشهدة بما حدث مؤخرًا عندما سادت حالة من الخوف بين الناس، واصطف الكثيرون في طوابير للحصول على الغاز والبنزين والمازوت تحسبًا لأي طارئ.
وتختم بالقول إن السوريين ما زالوا جزءًا من سياق الحرب وتداعياتها حتى وإن لم يكونوا في قلب المعارك اليوم، مشيرة إلى أن التعافي الحقيقي يحتاج إلى وقت وجهود منهجية من قبل المجتمع والدولة، لمساعدة الناس على تجاوز آثار سنوات الحرب الثقيلة.
مشاعر متباينة بين الارتياح واستعادة الذاكرة
في المقابل يرى بعض السوريين أنهم خارج دائرة الحرب الحاصلة، وفي هذا السياق أوضح يزن البكور في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنه يعتبر نفسه خارج هذه الحرب، مشيرًا إلى أن من كان يشارك في قتل الشعب السوري أصبح اليوم داخل دائرة الصراع، لافتًا إلى أن حديثه لا يشمل جميع الدول التي تعاني الحروب حاليًا، بل يقتصر على الأطراف التي يراها مسؤولة عما جرى في سوريا.
وأضاف أن ما يشاهده اليوم يعيد إلى ذاكرته مشاعر الخوف والرعب والفقدان والموت التي عاشها السوريون خلال سنوات الحرب، مشيرًا إلى أن هذه المشاهد تستحضر ذكريات قاسية، من بينها النزوح المستمر وحالة الخوف الدائمة التي رافقت السوريين على مدار الساعة طوال سنوات الصراع.
وتابع قائلًا ” لما بشوف أن الأطراف التي كانت متهمة بقتل السوريين تواجه اليوم أزمات مشابهة بحس برتاح وبحس بالعدل الرباني”، معتبرًا أن ما يحدث هو نوع من تحقق العدالة الإلهية أمام أعين الناس، بعد سنوات طويلة من المعاناة التي عاشها السوريون خلال نحو أربعة عشر عامًا من الحرب.
سوريا جزء من سياق الحرب
رزام سوادي عادت إلى سوريا مؤخرا واستقرت في دمشق، تقول إن شعورها تجاه الحرب الدائرة يختلف عمّا كانت تشعر به خلال سنوات الحرب في سوريا، وأضافت أن الحرب إذا كانت بعيدة عنها فلن تشعر بتأثيرها لا مادياً ولا حتى فكرياً، لكن الصراع الإسرائيلي/الأميركي – الإيراني يبقى قريباً من الواقع السوري، مما يجعل متابعة مجرياته أمراً مهماً بالنسبة لها، لأن نتائجه قد تنعكس بشكل أو بآخر على الوضع في سوريا.
وموضحًة أنها لا تشعر بالمعنى الحقيقي للحرب كما كانت تشعر به عندما كانت الأحداث تدور في بلادها، وقالت ” أخدت دور المشاهدة والمراقبة”، وكأنها تشاهد فيلماً متسلسلاً لا تعرف كيف ستكون نهايته.
وتصف إحساسها تجاه ما يجري بأنه معقّد فلا تشعر بالشماتة، ولا بالحزن العميق، بل تقف في موقع المتابع الذي يراقب المشهد دون انخراط عاطفي كامل.
وتشير سوادي إلى أنها لا تفكر كثيراً في الضحايا، وتدرك أن هذا قد يبدو قاسياً للبعض، وتوضح أن موقفها من الضحايا في إسرائيل مختلف، إذ ترى في كل فرد منهم جندياً في جيش يشارك في قتل الفلسطينيين والسوريين.
أما في إيران، فترى أن الصورة أكثر تعقيداً، فالشعب الإيراني برأيها ليس كله جزءاً من الحرس الثوري أو من رموز السلطة مثل قاسم سليماني وغيره والمرشد الأعلى، مؤكدة أن الحروب غالباً ما يدفع ثمنها أشخاص لا حول لهم ولا قوة، وهو أمر يعرفه السوريون جيداً.
وتختم حديثها بالقول إن تجربتها كفتاة عاشت الحرب في سوريا، وبقيت تتابع أخبارها حتى بعد مغادرتها البلاد، تجعلها تفكر أولاً بالناس الذين يعيشون اليوم تحت القصف والخوف: كيف ينامون، وكيف يضطرون لحمل أغراضهم والانتقال من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمان.
متستعيدة ذكريات ما عاشته عائلتها من خوف وقلق دائمين، وتشير إلى أن أكثر ما كان يؤلمها آنذاك هو شعورها بأن العالم لم يكن يكترث بما يمر به السوريون.
بين استعادة الصدمة واللامبالاة
ويرى مختصون اجتماعيون أن ردود فعل السوريين تجاه الحروب الدائرة اليوم ليست منفصلة عن تجربتهم الطويلة مع الحرب، بل هي امتداد مباشر لذاكرة جماعية مثقلة بالخسارة والنزوح.
أوضحت الباحثة الاجتماعية حلا حاج علي لموقع تلفزيون سوريا أن مشاهدة الدمار في الحروب الحالية تعيد تفعيل الصدمة لدى كثير من السوريين، إذ تستحضر ذكريات قصف مدنهم وتجارب النزوح.
مشيرة إلى أن طول سنوات الحرب وكثرة المشاهد القاسية دفعا كثيرين إلى تطوير آليات نفسية تحميهم من استعادة الألم، مثل كبح الذكريات أو الاستعاضة عن القلق بمشاعر تشفٍ عند خسارة أطراف يعتبرونها مسؤولة عما جرى في سوريا.
وأضافت أن شعور السوريين بالخذلان لسنوات طويلة أسهم أيضاً في خلق نوع من التبلد العاطفي تجاه مشاهد الدمار في دول أخرى، في المقابل يبدي بعض السوريين خصوصاً المقيمين خارج البلاد، قلقاً من انعكاس الصراع على استقرارهم الهش، إلى جانب مخاوف اقتصادية مثل تدهور الليرة السورية وارتفاع أسعار الوقود وتعطل طرق التجارة.
وترى حاج علي أن شعور بعض السوريين بأن “الآخرين يذوقون ما عاشه السوريون” يمكن تفسيره نفسياً كآلية دفاعية لتخفيف ألم الماضي وإعطاء معنى لمعاناتهم، خاصة في ظل غياب العدالة الانتقالية داخل سوريا، كما تؤكد أن هذا الإحساس لا يلغي القلق من تداعيات الحروب، بل يعكس مزيجاً معقداً من شعور بالإنصاف لدى المظلوم والخوف من اتساع حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
شارك هذا المقال
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
