«نبض الخليج»
أثار سقوط نظام بشار الأسد توقعات واسعة داخل الأوساط السورية حول شكل الحياة السياسية التي ستنشأ بعده. فكثير من الفاعلين السياسيين والمراقبين رأوا في تلك اللحظة بداية محتملة لإعادة تشكل المجال السياسي في البلاد، مع تصورات عن نشوء أحزاب جديدة وظهور مبادرات مدنية ومحاولات لتنظيم العمل السياسي بعد عقود من الحياة الحزبية المقيدة.
غير أن المشهد الذي يتشكل بعد أكثر من عام يبدو مختلفاً عمّا تخيّله كثيرون، فالحياة السياسية في البلاد ما تزال تتحرك ببطء شديد، إن لم تكن متوقفة عملياً، في انتظار اكتمال بنية مؤسسات المرحلة الانتقالية.
كما أن هذا البطء يرتبط بما تسميه أدبيات التحول السياسي إرث السلطوية، أي الآثار التي تتركها الأنظمة السلطوية الطويلة على البنية السياسية للمجتمع، ولا سيما ضعف الحياة الحزبية وغياب تقاليد التنظيم السياسي المستقل.
الانتقال السياسي في سوريا.. وعد دستوري وفراغ تشريعي
يعود جزء من هذا الواقع إلى الصيغة التي أُديرت بها المرحلة حتى الآن منذ صدور الإعلان الدستوري في آذار الماضي، فالنص الدستوري المؤقت أقرّ مبدئياً بحق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب، لكنه ربط ذلك بصدور قانون ينظم الحياة الحزبية. في الوقت نفسه، أُسندت السلطة التشريعية إلى مجلس الشعب إلى حين إقرار دستور دائم وإجراء انتخابات جديدة، غير أن هذا المجلس لم يكتمل حتى الآن، إذ ما تزال بعض المقاعد شاغرة، إضافة إلى الثلث الذي يفترض تعيينه لاحقاً.
وبين النص الدستوري الذي نصّ على التعددية السياسية وبين الواقع المؤسسي القائم اليوم مسافة واضحة، فالأحزاب لم تظهر بعد في إطار قانوني يسمح لها بالعمل، والحياة الحزبية ما تزال غائبة، بينما تُدار شؤون الدولة عبر قرارات ومراسيم تصدر في ظل غياب سلطة تشريعية مكتملة. هذا الوضع فتح نقاشاً بين بعض الفاعلين السياسيين حول الاتجاه الذي تسير فيه الحياة السياسية في البلاد.
الحقوقي المعتصم الكيلاني، يشير خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إلى أنه وفي ظل مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، تدخل سوريا طوراً انتقالياً شديد الحساسية، حيث يترافق تفكك النظام القديم مع محاولات بناء نظام سياسي جديد. وفي هذا السياق، فإن غياب قانون للأحزاب وعدم اكتمال السلطة التشريعية يجعل المجال السياسي في هذه المرحلة أقرب إلى إطار إداري تديره السلطة التنفيذية أكثر منه فضاءً سياسياً تعددياً مكتمل المعالم.
هذا الوضع مفهوم إلى حد ما في البدايات الأولى لأي مرحلة انتقالية وفق تعبيره، إذ غالباً ما تكون الأولوية لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة وضبط الأمن وإدارة الشؤون العامة. إلا أن استمرار هذا النمط لفترة طويلة قد يحدّ من تشكّل المجال السياسي الحقيقي، لأن السياسة بطبيعتها تحتاج إلى مؤسسات تمثيلية وقواعد قانونية واضحة تسمح بظهور الفاعلين السياسيين وتنظيم المنافسة بينهم.
ويتابع الكيلاني أنه وفي مرحلة انتقالية مثل الحالة السورية، يكون المجال السياسي في طور التشكل، وتلعب القوانين الناظمة للحياة السياسية دوراً تأسيسياً في تحديد طبيعة النظام الذي سيتبلور لاحقاً. فإذا جرى فتح المجال لتأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية ضمن إطار قانوني واضح، فإن ذلك يسمح بظهور قوى سياسية تمثل قطاعات اجتماعية مختلفة وتخلق ديناميكية سياسية قادرة على إنتاج التوازنات والتوافقات، أما إذا بقي المجال السياسي محدوداً أو محكوماً بإطار إداري ضيق، فإن ذلك قد يؤخر عملية تشكل الحياة السياسية ويحد من المشاركة العامة في صياغة النظام الجديد.
الفراغ الحزبي وإدارة المجال السياسي
بحسب المادة 14 من الإعلان الدستوري، فإن الدولة السورية الجديدة تصون حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب السياسية وتضمن عمل الجمعيات والنقابات، لكن الإعلان الدستوري يربط ذلك بصدور قانون ينظم الحياة الحزبية. وحتى الآن لم يصدر هذا القانون، في ظل عدم اكتمال مجلس الشعب الذي يفترض أن يتولى التشريع خلال المرحلة الانتقالية. هذا الوضع أبقى العمل الحزبي خارج الإطار القانوني، كما ترك المبادرات السياسية التي ظهرت بعد سقوط النظام بلا مسار واضح يمكن أن تتحرك من خلاله.
في علم السياسة يُنظر إلى الأحزاب باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية لما يُعرف بـ “المأسسة السياسية”، أي تحويل النشاط السياسي من مبادرات فردية متفرقة إلى مؤسسات مستقرة تنتج البرامج والقيادات وتنظم التنافس على السلطة.
في حين برزت “الأمانة العامة للشؤون السياسية” بعد سقوط نظام بشار الأسد باعتبارها الجهاز الوحيد الذي يتحرك ضمنه ما يمكن تسميته بالنشاط السياسي المنظم داخل البلاد. وقد أُنشئت بقرار صادر عن وزارة الخارجية في آذار الماضي، وانتشرت لاحقاً عبر مكاتب في المحافظات تولّت تنظيم عدد واسع من الفعاليات العامة والنشاطات ذات الطابع السياسي والمجتمعي، مستفيدة من مقار حزب البعث السابقة التي تحولت إلى مراكز عمل محلية لها. غير أن تبعيتها المؤسسية لوزارة الخارجية تطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الترتيب الإداري، إذ إن إدارة المجال السياسي الداخلي تقع عادة ضمن مؤسسات سياسية أو تشريعية.
تحولت هذه الأمانة عملياً إلى القناة الإدارية التي يمر عبرها جزء واسع من النشاط السياسي والاجتماعي، وهو واقع يضع المجال السياسي في البلاد تحت إدارة جهاز إداري واحد بدل أن يتوزع على بنى سياسية متعددة.
في تجارب الدول الحديثة يُفترض أن يتوزع تنظيم المجال السياسي بين أحزاب ومؤسسات تشريعية وهيئات رقابية. أما في الحالة السورية الحالية فإن هذا المجال يمر بدرجة كبيرة عبر جهاز إداري واحد، وهو ترتيب يعكس شكل إدارة السياسة في المرحلة الراهنة.
إرث السلطوية وسيولة المجال السياسي في المرحلة الانتقالية
من جانبه يعتبر المحامي أنس جودة، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن مسألة تشكّل الحياة السياسية في سوريا اليوم ترتبط قبل كل شيء بطبيعة الشرعية التي يقوم عليها المجال العام وقواعد اللعبة السياسية التي ما تزال في طور التشكل. ومن هذه النقطة تحديداً يمكن فهم سبب غياب التنظيمات الحزبية الواضحة في المرحلة الحالية، بحسب تعبيره.
ويرى أن غياب الحياة الحزبية اليوم يرتبط بجملة عوامل تتجاوز مسألة تأخر صدور قانون للأحزاب. “لقد ترك الإرث الطويل للدولة السلطوية في سوريا أثراً عميقاً على المجال السياسي، إذ جرى خلال عقود تفكيك البنى الحزبية وإضعاف فكرة التنظيم السياسي نفسها، بحيث باتت السياسة إما نشاطاً محفوفاً بالمخاطر أو امتداداً مباشراً للسلطة. لذلك دخل المجتمع السوري المرحلة الراهنة بفراغ سياسي فعلي، من دون تيارات حزبية جاهزة لإعادة تنظيم نفسها”.
ويلفت أيضاً إلى أن سنوات الصراع الطويلة أسهمت في إعادة تشكيل المجال العام حول شبكات مختلفة عن الأطر الحزبية التقليدية، مثل الشبكات المحلية والفصائل المسلحة والمبادرات الإغاثية والمدنية. ورغم أن هذه الشبكات أفرزت فاعلين مؤثرين في المجتمع، فإنها لم تتبلور في صورة مشاريع سياسية منظمة أو برامج حزبية واضحة.
إلى جانب ذلك، تلعب طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها دوراً مهماً، بحسب جودة، إذ تُظهر التجارب التاريخية أن الأحزاب المستقرة لا تتشكل في البدايات، بل تظهر تدريجياً مع اتضاح قواعد النظام السياسي الجديد، مثل الدستور وقانون الأحزاب وقانون الانتخابات.
بناءً على ذلك، يمكن النظر إلى المشهد الحالي، وفق جودة، باعتباره حالة من السيولة السياسية أكثر منه غياباً كاملاً للسياسة، فالمجتمع ما يزال ينتج مبادرات وفاعلين محليين ومدنيين، غير أن انتقال هذه المبادرات إلى مستوى التنظيم السياسي سيظل مرتبطاً بتبلور الإطار المؤسسي والقانوني الأوسع للحياة السياسية.
غياب البنية الحزبية وحدود العمل السياسي
الحياة السياسية في البلاد تبدو اليوم محدودة من حيث التنظيم والبنية. الأحزاب ما تزال خارج إطار قانوني يسمح لها بالعمل، كما لا توجد مؤسسات سياسية تستوعب نشاطها أو تنظّم التنافس السياسي. ونتيجة لذلك، قد يظهر العمل السياسي في صورة مبادرات متفرقة أو تحركات محدودة لا تتحول إلى تنظيمات سياسية مستقرة، ولا تنتج حتى الآن إطاراً سياسياً قادراً على إعادة تشكيل الحياة الحزبية أو إنتاج قيادات جديدة داخل المجال العام.
في غياب هذه المؤسسات تميل عملية اتخاذ القرار إلى ما تسميه دراسات الحكم المقارن مركزة القرار، حيث تتحرك السياسات العامة عبر نطاق إداري محدود بدلاً من أن تمر عبر مؤسسات سياسية متعددة.
بالعموم، فإن الحياة السياسية المنظمة تحتاج إلى مجموعة من العناصر المؤسسية. وجود قانون ينظم تأسيس الأحزاب يشكل الخطوة الأولى في هذا المسار. هذا القانون يحدد شروط العمل الحزبي ويمنح التنظيمات السياسية إطاراً قانونياً يسمح لها بالعمل داخل المجال العام.
العنصر الثاني يتعلق بالمؤسسات التمثيلية، فالبرلمان أو المؤسسات التشريعية تمثل الساحة الطبيعية التي تتحرك فيها الأحزاب السياسية، حيث يمنح وجود مؤسسة تشريعية مكتملة العمل الحزبي دوراً فعلياً داخل النظام السياسي.
أما العنصر الثالث يرتبط بوجود بيئة سياسية تسمح بتداول الأفكار والبرامج السياسية داخل المجتمع، حيث تحتاج الأحزاب إلى فضاء عام تتحرك فيه برامجها السياسية وتصل من خلاله إلى المجتمع.
توافر هذه العناصر يفتح الطريق أمام تشكل حياة سياسية منظمة، أما غياب أحدها يجعل النشاط السياسي يبقى في مستوى المبادرات الفردية أو الشبكات غير الرسمية.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
