«نبض الخليج»
مبرهناً على صون العشرة، ومحافظاً على حبل الوداد، الذي توثقت أواصره مع صحبة صدوقة بين المحمدين، (أوسو ) و(الشيخ نجيب) الأب، (المخرج الراحل)، مال الكاتب ونجم (بكرى أحلى) إلى تجديد العهد، والتأسيس لتعاون مشابه، مع الابن الوارث، الذي امتهن الاخراج اقتداء بمسيرة والده، لتبدو ثنائية محمد أوسو وسيف الشيخ نجيب، شراكة بكر قد يكتب لها النجاح والاستمرارية، ولتوقع أول إمضاءاتها مع (بنت النعمان)، العمل الكوميدي الوحيد الذي يدخل في خانة (مسلسل)، وليس سلسلة أو اسكتشات سريعة.
لا استنساخ للفكرة
انطلق سينوبسيس العمل من تيمته البسيطة، رجل واسع النفوذ (النعمان/سلوم حداد)، ينوي تزويج ابنته الوحيدة (أفروديت/ريام كفارنة)، فيقع الاختيار على عريس متواضع الحال، ذي نصيب طيب (محظوظ/محمد أوسو)، في محاولة لعكس التمايز الاجتماعي بين أصناف البشر الذين يعيشون تحت مظلة البلد الواحد.
ورغم الكثير من الانتقادات التي طالت الفكرة، واصفة إياها بالنمطية، اتسمت طريقة المعالجة، بالحداثة واللااستنساخية، فالاحتدامات لا حصر لها، والفروق بشقيها المادي والمعنوي ذات دلالات مختلفة، فالفقر يفرز تبايناً في السوية الثقافية، بما فيها طريقة الحديث، وأنماط الهندام، والذائقة السمعية، والميول الفنية، والتمثلات الجمالية، كما ينتج شروخات مجتمعية في طبيعة المسكن والمأكل والتأهل والرفاهية وحتى الترف، فضلاً عن فجوات اقتصادية تتعلق بأساليب كسب الرزق، وتحصيل الأموال، وصولاً إلى جمع الثروة، وجميع ما سبق شكل طُعماً دسماً لصياد محترف، إذ انتقى ما لم يكن قيد التناول ٱنفاً، وفرده على “بساط أحمدي”، فحاك قصته بعفوية مدروسة، مسبوكة بنكات في محلها، فالضحك جاء مبرراً، معفياً من تهمة الابتذال.
وليس المطلوب من الكوميديا أن تغرق نفسها في الحبكات الروائية، ولا أن تعقد الحدث بتشابكات الخطوط، فمجرد الاعتماد على حكاية معقولة يمكن أن يهيئ مواقف عدة، تتطلب معالجتها بالضرورة الوقوع في عقبات، التي يمكن أن تتمثل إما على شكل مطبات مادية محسوسة، ولابد للبطل من تفكيكها، ليدفع بعجلة الحدث نحو الأمام، أو عقبات على هيئة وجهات نظر، وقد نوع العمل من استخدامها، فالغرض منها إيقاع البطل في حيرة من أمره، للمفاضلة بين أمرين، إذ ينطوي كل اختيار على تبعات منطقية، ومطلوب من البطل تحمل مسؤولية ما اتخذ من قرارات، ومعالجة تداعياتها بحكمة متوازية مع مستوى فطنته، ما يقود بالضرورة إلى مواطن مختلفة للبشاشة والسرور، ويسهم في اكتمال الصيرورة الحكائية، وقد واجهت محظوظ أنواعاً مختلفة من تلك القرارات المتبوعة بالعوائق، فأفلح حيناً في تخطيها، وزاد الطينة بلة في تعامله مع أنواع أخرى.
كوميديا الموقف
انتمى العمل من الناحية النوعية إلى الكوميديا، وصنف في خانة الموقف، التي تحتم تكرار تعرض شخصيات البطولة لحوادث عدة، محلاة بالهزل، منكهة بالسخرية، مطعمة بالتهكم، ما يولد عنصر الابتسامة، تحت تحريض ممنهج، ناشئ من عمق المفارقة بين القاع والرخاء، فروح الدعابة حاضرة على الدوام، وهي كوميديا تحررت من قالب (الفارْس) الذي يعتمد المبالغة، والمواقف المفاجئة، والخدع البدنية لإثارة الضحك.
لقد نجا العمل من قوالب الكاركتر، التي راجت بين أوساط كافة المسلسلات الأخرى، فكاركترات أعمال البيئة والاجتماعي المعاصر غزت الشاشات، وشكلت دوالاً لدال سميائي يحيل إلى مدلول تغيير جذري قائم على النوع، فانتقل نظام الكاركتر، من نموذج الفكاهة إلى قالب الرصانة، ذاك النظام القائم على بناء شخصية، يركز الفنان فيها على تفاصيل دقيقة كنبرة الصوت، والحركات الجسدية، واللزمات الكلامية، والملابس، لخلق هوية سمبعصرية مميزة تلتصق بذهن الجمهور، مع استثناء ملحوظ لجارة محظوظ (أم سعيد/سلافة عويشق)، التي ظهر في شخصيتها تضخيماً لبعض الملامح أو العيوب السلوكية لاجتذاب السخرية أو النقد الاجتماعي بطريقة فنية.
سيكولوجيا غامضة
وفي دراسة الأبعاد الأساسية للشخوص، يتجلى واضحاً شرعنة التزاوج بين سمتي الشخصيات، الفيزيولوجية والسيسيولوجية، فلا حاجة لدراسة التواريخ، أو تقصي أعماق النفوس، لأن ماض الجميع أقرب إلى الوضوح من خلال الحوارات المتبادلة، كما تطل جميع الشخصيات باطلالات متناغمة مع طبيعة الدور، في قائمتها ظهور ملفت ومميز، لبطلة العمل، التي أعادت موضة الفساتين، ما حمل أيقونة بصرية دالة على تكامل أنثوي.
في حين بقي الملمح السيكولوجي للجميع في منأى عن الاستيعاب، فالجميع يتصرفون بعبثية مفرطة، ويتخذون قرارات مبهمة، فليس من المبرر قبول (أم أفردويت/مرح جبر) لابنتها مثل هذا العريس، تلك العروس التي لم يُفهم لماذا تعيش حالات من جلد الذات، والاضطهاد النفسي، فهي لطيفة سموحة مع الجميع، وشديدة القسوة في التعامل مع نفسها.
ريام كفارنة تثبت جدارتها
ضم غروب العمل نجوماً متميزين، فبدت دماثة الحضور سمة غلابة، وطغت روح الدعابة في تقمص الدور، وحسب ل(بنت النعمان) خطوته الجريئة في تحفيز النجم (سلوم حداد) على تسلم بطولة من نمط “لايت كوميدي”، وهي مراهنة حذقة، إذ نجحت بسبر أغوار نجم جسور، فأخرج أحلى ما عنده، متحرراً ولو بمحطة عجولة، من قيود العنف، وخطوطه الدامية، والتي سببت تلقياً مرهقاً لدى المشاهد، وإرباكاً إخراجياً فرض حتمية اصطناع البطش، وتأطيراً مجحفاً بحق كثير من النجوم، وحكماً جائراً ألبس الدراما عباءة رتيبة.
وشكلت عودة (محمد أوسو) إنعاشاً شعورياً لجميع محبيه، فالصورة الذهنية للنجم، محفوفة باستظراف رقيق لكياسة التشخيص، واندماج عميق مع تلقائية الردود، وجاء الدور على مقاس المأمول، ذلك أن الكوميديا بالنسبة إليه أشبه بأكاديمية متخصصة، رمى طموحه للأستذة في رحابها، وتكمن شيفرة الفنان، في تخفيفه من شحنة الأداء، وخفضه من حدة ردود الأفعال، فلا سن الشخصية، ولا جانبها السيسيولوجي يسمح بالتكلف، ما دل على نضج تمثيلي تجمعت خيوطه حينما ابتعد اوسو عن المرمح الفني لسنوات، وفي عالم موازٍ، بالغ الزملاء في اختزال الضحك، إذ لم يعطوا بالاً لدراسة البعد النفسي للشخوص، ومن ثم عكسه في تقمصاتهم، فتخصورت الابتسامة في مشاهد عدة، واختزلت خفة الظل حينما كانت مطلوبة، وحمل الشح الكوميدي في داخله، إما رمزية تفضح استعجالاً في الاخراج، أو أيقونية تشهر استسهالاً في الأداء.
ومن المنصف الإشارة على أن (ريام كفارنة) بصمت بالعشرة والكف، على جداراتها في تسلم البطولة، فملاحة التصرف، ولطافة الإيماءات، ولباقة الحديث، وهمس الإلقاء، وغنج الصبايا، هي باقة منمقة من أدوات تمثيلية، اشتغلت عليها بروية ونباهة، فما خذلتهم ولا خذلوها، فدلع الفتاة الميسورة الممزوج بتواضع وتهذيب، مع مخملية الحضور ووقار المظهر، هي صورة وليدة للسيدات اللواتي ينتمين إلى الطبقات الاستقراطية.
بطء الإيقاع
من الناحية الإخراجية، اعتمد سيف الشيخ نجيب إيقاعاً بطيئاً، تمثلت أدواته في الإقلال من الحركة الذاتية للممثلين، فمعظم المشاهد تتجسد من خلال حوارات “الأوفر شلودرز” معتمدة وضعية الجلوس، ومن الواضح أن الممثلين لم يطلقوا لملكاتهم العنان، فالأدوات غير اللفظية التي تتجلى أسمى صورها في لغة الجسد غائبة معظم الأحيان، وحركات الأيدي مقتضبة إلى حد كبير، رغم أبعادها الوظيفية القادرة على خدمة النص، ووضعه في قالب تعبيري مؤثر.
كما جاء فتور الرتم من تقليص الحركة الفنية للانتقال، واقتصارها على القطع، ففي بعض المواضع طالت مدة اللقطة ما أخرها عن مزامنة “الريكأشن”، في حين شغلت حركة الكاميرا مطرحها المناسب إلى حد ما، باذلة مجهوداً معقولاً لبث الحياة في ثنايا المشهد، أما من ناحية أدوات الصوت، فلا تمكين للتواتر من أداء المهمة المناطة، فالحوارات متسمة بالمونوتونية، وسرعة الصوت بقيت في خانة “الميتزو”، بمعدل كلمتين في الثانية، ما شل البنائية السمعية عن المساهمة في عنصر الأكشن، كما طغى التوسط على الطبقات الصوتية، فاختفى التنغيم، وتمحورت نبرات المعنى في الدهشة والاستغراب والمحبة، بينما تعثرت نبرات الحماس والانفعال والغضب، وبالتالي تراجع منسوب التلوين في الكلام، ما كرس بدوره أيضاً وتيرة إيقاعية موحدة.
على صعيد أحجام اللقطات، هناك اعتماد كبير على المتوسطة والعامة، وضٱلة في توظيف “الكلوز ٱب” بأنواعها الكبيرة، كما في (Very close up) و(Extreme close up) رغم ثراء فاعليتها في تغطية الإيماءات الوجهية كالغمز واللمز والنظر الشزر واختلاج الرموش، وتقطيب الحاجبين، ورفع أحدهما أو كليهما، وغيرها من الحركات التي تدعم الحس الكوميدي المفترض استحضاره “على الندهة”.
شملت الظواهر السمعية لغة لفظية مرتبة، ألفاظها متنقاة بدراية، لا فجاجة ولا فظاظة فيها، تضافرت مع مؤثرات صوتية اخذت مواقعها المناسبة، واستندت على خلفية متواضعة لموسيقا تصويرية تناوب ارتفاعها بتكنيك جيد، لكنها كانت أقل من المتوقع، ما خفف من الدفق الشعوري للسمعيات إلى ذهنية المشاهد.
تفرد (بنت النعمان) بسمة نزاهة الفكرة، وخلوها من الابتذال، وتبرئتها من الإيحاءات الملغومة، ولغة المواربة،واحترامها لعين المستقبِل، وذلك نابع من الرغبة في البقاء ضمن حدود الضوابط الأسرية، التي وضعت لتتواءم أولا وأخيراً مع الذائقة البصرية، لذلك اعتبر عملاً درامياً خفيفاً، ووجبة مطلوبة لدى أغلب المتلقيين، إذ نشَّط في ذاكرتهم قرينة ملازمة لجهاز التلفزيون، بوصفه (صديق العائلة).
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
