تقارير

لماذا لم يتحوّل المفكّر السوري إلى مرجعية اجتماعية؟

لماذا لم يتحوّل المفكّر السوري إلى مرجعية اجتماعية؟

«نبض الخليج»  

كيف يمكن لبلدٍ أن يُنتج طيفاً واسعاً من المفكرين الكبار، وأن يظلّ في الوقت نفسه، فقيراً في مرجعياته العامة؟ ولماذا لم يتحوّل المفكّر السوري، رغم غزارة إنتاجه وتنوّع مدارسه، إلى سلطة معنوية تحظى باعتراف اجتماعي واسع يتجاوز النخب الضيقة؟

لم تكن سوريا أرضاً قاحلة فكرياً فعلى امتداد القرن العشرين، ثم في العقود اللاحقة، برزت أسماء مثل صادق جلال العظم، طيب تيزيني، برهان غليون، جورج طرابيشي، ومحمد شحرور، وكلٌّ منهم شكّل مشروعاً فكرياً متماسكاً، اشتبك مع قضايا الحداثة، النقد الديني، الدولة، الهوية، والعقل العربي. ومع ذلك، لم يتحوّل أيٌّ منهم إلى مرجعية اجتماعية عابرة للتيارات والانقسامات، على نحو ما عرفته مجتمعات أخرى مع مفكّريها.

تحجيم الحقل الثقافي وتبعثر المرجعية

ومع ذلك، لم تتكوّن في المجال الاجتماعي السوري شخصية فكرية تحظى باعتراف عام يتجاوز الدوائر الأكاديمية والسياسية الضيقة، حيث بقيت المشاريع الفكرية حاضرة في فضاء النخبة، بينما ظلّ حضورها في المجتمع الأوسع محدوداً وموسمياً.

كذلك لم يكن المجال العام مستقلاً بما يكفي لاحتضان المفكر بوصفه ضميراً نقدياً، فالدولة في مراحلها المختلفة، تعاملت مع الفكر إمّا كأداة تزيين أيديولوجي، أو خطراً ينبغي تحجيمه.

بذلك تكرّست معادلة غير معلنة، فالفكر إمّا مُؤدلج أو مُطارَد. وفي كلا الحالين، يفقد استقلاله الضروري ليغدو مرجعية؛ حيث المرجعية الاجتماعية تحتاج إلى حدٍّ أدنى من الاستقرار المؤسسي، وحرية التعبير، واستمرارية التراكم. فحين تُكسر هذه الشروط، يتحوّل المفكّر إلى حالة فردية معزولة، وليس مركز إشعاع.

تجربة صادق جلال العظم مثلاً، تكشف كيف يمكن لمشروع نقدي جريء أن يُحدث صدمة فكرية، دون أن يرسّخ موقعاً اجتماعياً مستقراً. فالصدمة يمكن أن تصنع جدلاً، لكنها لا تصنع مرجعية ما لم تتوافر مؤسسات تعليمية وثقافية تتبنّى المشروع وتُدرجه في مناهجها ومساراتها البحثية.

فقد كان تطوّر المجال العام في سوريا ضمن بيئة سياسية شديدة الضبط، حيث خضع النشر والمؤسسات الثقافية لإشراف مباشر أو غير مباشر من السلطة، ما انعكس على حركة الأفكار ومساراتها.

حيث تحوّل النشاط الفكري إلى نشاط فردي يرتبط بمبادرات شخصية أو بجهود مستقلة محدودة الموارد، فغابت المساحات المستقرة التي تتيح للفكر أن يتراكم داخل مؤسسات تعليمية وثقافية قادرة على نقله إلى أجيال متعاقبة.

المثقف والبنية الاجتماعية

لقد طرح أنطونيو غرامشي تصوراً للمثقف يرتبط بالبنية الاجتماعية التي ينتمي إليها، حيث رأى أن كل طبقة اجتماعية تنتج مثقفيها القادرين على صياغة رؤيتها للعالم وتثبيت حضورها في الفضاء العام. يتجاوز هذا التصور صورة المثقف ككاتب مستقل يعمل في فراغ اجتماعي، ويضعه داخل شبكة من العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية.

المثقف العضوي يعمل ضمن نسيج اجتماعي محدد، ويشارك في بلورة اللغة والمفاهيم التي تعبّر عن مصالح جماعته، فيتحقق تأثيره من خلال تفاعل مستمر مع الفئات التي ينتمي إليها، ومن خلال انخراطه في مؤسسات تعليمية وإعلامية وتنظيمية. يكتسب موقعه من قدرته على تحويل الخبرة الاجتماعية إلى معرفة منظّمة قابلة للتداول.

هذه الأطروحة تتيح قراءة موقع المفكر في أي مجتمع عبر تحليل صلته بالبنية الطبقية، وطبيعة المؤسسات التي تحتضن إنتاجه، ومدى اندماجه في شبكات الفعل الاجتماعي.

في حين تناول نزيه الأيوبي بنية الدولة في الشرق الأوسط من خلال مفهوم “الدولة المتضخّمة”، حيث تتسع الأجهزة الإدارية والأمنية وتتركز السلطة في مؤسسات مركزية قوية، لينعكس هذا النموذج على العلاقة بين الدولة والمجال الثقافي.

في هذا الإطار، تتأثر حركة الأفكار بمدى انفتاح المؤسسات الرسمية على النقد والبحث المستقل. بينما تحدد السياسات الثقافية طبيعة التمويل، وحرية النشر، ومساحات النقاش العام، ليتشكل موقع المفكر ضمن حدود مرسومة قانونياً وإدارياً، ما يترك أثراً مباشراً على استقلاله ودوره الاجتماعي.

وتقدّم هذه المقاربة أداة لتحليل التفاعل بين السلطة السياسية والإنتاج الفكري، وكيف تؤثر بنية الدولة على تشكّل المرجعيات الثقافية.

 وإلى جانب العوامل المؤسسية، برزت فجوة بين الخطاب الفكري والفضاء الاجتماعي الأوسع، فكثير من المشاريع الفلسفية والنقدية كُتبت بلغة أكاديمية عالية، تَطلّبت قارئاً مهيأً معرفياً. هذا النمط من الكتابة عزّز مكانة المفكر داخل الدوائر المتخصصة، لكنه حدّ من قدرته على التمدد نحو جمهور أوسع. العلاقة بين المفكر والشارع بقيت في حدود متقطعة، وغابت القنوات المنتظمة التي تترجم الأفكار إلى خطاب قابل للتداول اليومي.

بناء المكانة عبر التراكم والاندماج المجتمعي

أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبد الرحيم العلام، يقدّم خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، قراءة تحليلية موسّعة لمسألة تحوّل المفكّر إلى مرجعية اجتماعية، انطلاقاً من اشتغاله البحثي على النخب، وبنية الدولة، والعلاقة بين الحقول السياسية والثقافية في السياقات العربية.

ويرى العلام أن المرجعية الاجتماعية لا تُمنح بقرار، ولا تتأسس فقط على القيمة المعرفية للنصوص، بل تنشأ داخل بنية اعتراف مركّبة تشترك فيها الجامعة، والإعلام، ومؤسسات النشر، والفضاء السياسي.

ويوضح أن المفكّر حين يعمل داخل حقل أكاديمي معزول، من دون امتدادات مؤسساتية خارج الجامعة، يبقى تأثيره محصوراً في دائرة التخصص. أما انتقاله إلى موقع مرجعي عام فيتطلّب اندماجه في شبكة تداول أوسع، تتيح لأفكاره أن تتحوّل إلى مادة نقاش اجتماعي مستمر.

ويتوقف العلام عند العلاقة بين المفكّر والسلطة السياسية، موضحاً أن موقع المفكر يتأثر بطبيعة هذه العلاقة. ففي البيئات التي تتركز فيها السلطة داخل أجهزة تنفيذية قوية، يضيق المجال المتاح للنقاش النقدي المنتظم. هذا المناخ ينعكس على قدرة المفكر في بناء حضور اجتماعي متواصل، ويؤثر في صورة المثقف داخل الوعي العام.

ويؤكد العلام أن المرجعية الفكرية ترتبط أيضاً بقدرة المفكر على الاشتغال على قضايا ملموسة تشغل المجتمع. عندما تتقاطع أعماله البحثية مع أسئلة الهوية، والدولة، والعدالة، والتعليم، وتُقدَّم بلغة دقيقة ومفهومة، يتوسع نطاق تأثيره. تتحول أفكاره إلى أدوات تفسير يعتمدها الجمهور في فهم واقعه، وتتكرّس مكانته بمرور الوقت.

في ختام حديثه، يشدد عبد الرحيم العلام على أن تحوّل المفكّر إلى مرجعية اجتماعية مسار طويل يتطلب استمرارية فكرية، وتراكم اعتراف مؤسساتي، وانخراطاً واعياً في المجال العام. ضمن هذه الشروط، تتكوّن شخصية فكرية تحظى بثقة المجتمع، وتصبح جزءاً من بنيته الرمزية والسياسية.

من تراكم المعرفة إلى ترسيخ الحضور الاجتماعي

هذا وتشير الدراسات المقارنة إلى أن تحوّل المفكر إلى مرجعية اجتماعية يرتبط بوجود جامعات مستقلة تتمتع بحرية بحثية، وصحافة ثقافية واسعة الانتشار، ومراكز أبحاث ذات تمويل مستقر.

وتسمح هذه المؤسسات بتراكم المعرفة، وبنشر الأعمال البحثية، وبإقامة حوارات مفتوحة مع المجتمع. حيث تتكوّن المرجعية عبر مسار طويل من الاعتراف الأكاديمي والإعلامي، ومن خلال المشاركة المنتظمة في النقاشات العامة.

حيث شهدت تجارب أوروبية تشكّل نموذج “المفكر العام” الذي يحضر في الجامعات والإعلام والمؤتمرات الكبرى. فلعبت الجوائز البحثية، والمنح الأكاديمية، والبرامج الحوارية دوراً في تعزيز الحضور الاجتماعي لبعض المفكرين.

وتظهر التجربة الفرنسية مثالاً دالاً على تفاعل الجامعة والإعلام في صناعة “المفكر العام”. فقد تحوّل عدد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع إلى شخصيات مرجعية من خلال حضور منتظم في الصحافة الثقافية الكبرى، ومشاركات دورية في برامج حوارية، إضافة إلى مواقعهم الأكاديمية داخل جامعات ومراكز أبحاث فاعلة. هذا التداخل بين الاعتراف الأكاديمي والظهور الإعلامي أنتج استمرارية في التداول، ورسّخ أسماء بعينها في الوعي العام.

حيث وفّرت الجامعات منصات للنشر والتدريس، ومنحت الصحافة الثقافية مساحات للنقاش المعمق، وأسهمت الجوائز والمؤسسات البحثية في تثبيت المكانة العامة.

وتبرز هذه التجارب أهمية التفاعل بين الحقول الأكاديمية والإعلامية في تكوين مرجعية فكرية معترف بها اجتماعياً، وتوضح أن المكانة العامة تنشأ ضمن شبكة مؤسسات مترابطة تدعم استمرارية الحضور والتأثير.

لقد تأثّرت صورة المثقف في المجتمع السوري بتحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، فتصاعدت أولويات المعيشة والعمل والهجرة، بينما انشغل المجتمع بتحديات يومية ضاغطة.

في حين تراجعت القراءة المنتظمة للكتب الفكرية أمام توسّع المحتوى السريع. ما أدى إلى قلّة حضور الندوات الثقافية العامة، وتركز الأنشطة الفكرية في دوائر محدودة من المهتمين.

السياسة السورية، بما شهدته من انقسامات وصراعات، ساهمت أيضاً في تفتيت صورة المفكّر. فكثير من المفكرين انخرطوا في سجالات حادة، اصطفّوا في معسكرات متقابلة، أو حُسبوا على تيارات محدّدة.

وعندما يُدرج المفكر في خانة سياسية ضيقة، يفقد صفة “المرجعية الجامعة”. فالمجتمع المنقسم يبحث عن رموز تعكس انقسامه.

وفي المراحل اللاحقة، ومع تحوّل الصراع السوري إلى أزمة وجودية، انحسر الاهتمام بالفكر لصالح الخطاب التعبوي والبراغماتي. ففي أزمنة الخطر، يميل المجتمع إلى البحث عن زعيم أو قائد، وليس عن مفكّر.

 

 

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

بهدف مبابي.. ريال مدريد يفتتح الدوري الإسباني بفوز صعب على أوساسونا

محرر الخليج

«فاعل خير» يتهم شخصين بالاستيلاء على 3.5 ملايين درهم من تبرعاته

محرر الخليج

حمدان بن محمد يشهد إطلاق أول برنامج دكتوراه بالذكاء الاصطناعي في دبي

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More