تقارير

سلمية تقرأ

سلمية تقرأ

«نبض الخليج»  

عُرفت مدينة سلمية تاريخيًا بأنها مدينة “الفقر والفكر”، مدينة تصدرت المشهد الثقافي السوري دائمًا. فرغم التهميش المتعمد للمدينة في ظل حكم الأسد، إلا أنها كانت تُكابر على جراحها النازفة وتسعى لكسر الأصفاد والقيود التي فرضها النظام البائد.

لم يتردد أبناء سلمية لحظة واحدة عندما اندلعت الثورة السورية في ربيع عام 2011، واختارت سلمية أن تكون في صدارة المدن المناهضة للديكتاتور. ورغم كل مساعي النظام البائد لقمع أبناء المدينة من خلال عمليات الاعتقال الهمجية، إلا أن رقعة الاحتجاجات كانت تتسع وتزداد أعداد المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام.

وبعد سقوط نظام الأسد، تنفست سلمية هواء الحرية وعادت النشاطات الثقافية بشكل أكبر. بعد انقطاع دام قرابة 15 عامًا لمهرجان الماغوط، عاد المهرجان ليعيد الألق للمدينة التي لا تزال، رغم كل الصعاب، تؤمن بأن العلم هو الوسيلة لبناء مجتمع منسجم تسوده أجمل ألوان التعايش والتعددية.

مدينة تعشق الكتب

بعد زوال نظام الأسد، عادت الكتب التي كانت تُوزع سراً لتجد مكانها الطبيعي على رفوف المكتبات في سلمية، وبدأ الشباب يتوجهون نحو المكتبات لاقتناء الكتب التي لطالما حلموا بالحصول عليها. ومن أبرز المكتبات وأقدمها في المدينة: دار سلمية للكتاب، وكأن اسم المكتبة يختصر تاريخًا كاملًا يرسخ علاقة سلمية بالكتاب.

وبدأت روح المسرح تدب في الخشبة التي أرهقتها سنوات القمع والحرب، ولعل سلمية بفضل هذا الكم المعرفي الناتج عن التجارب استطاعت أن تتجاوز كل المحاولات اليائسة لضرب الاستقرار فيها. فالمدينة التي تتسلح بالورقة والقلم عصية على من يحاولون ركوب الموجة لزراعة الفتنة في أحيائها الهادئة.

نادي القراءة والمعرفة

لم يتردد الدكتور باسل الشيخ ياسين وزوجته الأستاذة أزهار سيفو في تأسيس نادي القراءة والمعرفة، الذي يعتمد على نشر الوعي الفكري والمعرفي من خلال جلسات حوارية غنية، هدفها إعادة الروح الثقافية التي لطالما حُرمت منها المدينة.

تعتمد فكرة النادي على قراءة كتاب بشكل دوري، كل ثلاثة أسابيع، حيث يتوافق رواد النادي على قراءة كتاب معين سواء كان فكريًا أو روائيًا أو سياسيًا. ويوفر النادي عدداً من النسخ الورقية التي يتداولها الأعضاء بشكل منظم خلال ثلاثة أسابيع، ومن ثم تُقام جلسة هادئة في صالة الرواق الثقافي ليتبادل القراء وجهات نظرهم حول الكتاب. وتتجلى في تلك القراءات المتعددة عدة مفاهيم ربما تكون غائبة عن كل قارئ.

فالهدف الرئيسي هو عملية تقبل الآخر، فلكل قارئ الحق في نقد العمل الأدبي سواء بتثمين بعض نقاط القوة أو الإشارة إلى نقاط الضعف بمنتهى الشفافية والحرية دون أي قيود رقابية أو أمنية. وتعزز هذه الجلسات ثقة القارئ بنفسه، خصوصًا عندما يجد مساحة من المستمعين حوله.

الرواية حاضرة في نادي القراءة والمعرفة

استطاع النادي أن يغطي مجموعة من الأعمال الروائية المهمة، حيث ركز في بدايات تأسيسه على الأعمال الروائية كنوع من الترغيب، فالرواية بطبيعتها تمتلك سحرًا يجذب جميع الفئات العمرية. فكانت البداية مع رواية “عرس بغل” للروائي الجزائري الطاهر وطار، ورواية المسخ لفرانز كافكا، وكذلك رواية يوتوبيا للروائي المصري أحمد خالد توفيق، ورواية عزازيل للروائي المصري يوسف زيدان. واتفق رواد النادي أن تكون رواية “قلب كلب” للروائي الروسي ميخائيل بولغاكوف هي الوجبة الثقافية للجلسة القادمة.

التنوع لإرضاء كل الأذواق شعار نادي القراءة والمعرفة

اعتمد النادي على سلسلة متنوعة من الأعمال الروائية التي تنتمي لمدارس متعددة في الكتابة الروائية، ويأتي هذا التنوع مراعيًا كل أنواع القراء، سواء من الشباب أو باقي الفئات العمرية. وكأن النادي يريد أن يسقط مفهوم صراع الأجيال ويعيد ترتيب الفجوات بين الآباء والأبناء وحتى الأجداد. من خلال هذه الطريقة، يجد القارئ نفسه ضمن بيئة مريحة تحتضن وجهة نظره، وتثمن جهده بالقراءة، وتعزز ملكات النقد لديه ليقرأ العمل بشغف أكبر.

المشاركة النسوية علامة فارقة

طبعًا، المرأة حاضرة في أي مشروع ثقافي. فرغم كل الالتزامات والواجبات التي تُثقل كاهلها، إلا أن المرأة في سلمية لا تزال تحارب لتجد مساحة لتستغلها بالقراءة. وتغلب المشاركات النسائية المتميزة في نادي القراءة والمعرفة من مختلف الفئات العمرية، لتبرهن سلمية دائمًا أن المرأة ليست نصف المجتمع، بل هي حاضنة المجتمع بأسره.

الكتاب حاضر رغم الظروف

رغم كل الظروف القاسية من غلاء المعيشة وصعوبات الحياة التي يعيشها المواطن السوري في ظروف استثنائية، إلا أن الكتاب لا يزال حاضرًا في سلمية، ولا تزال رغبة القارئ أن يعيد تشكيل المجتمع من خلال فهمه لتجارب الآخرين. في سلمية، الرواية ليست كتابًا عابرًا، وإنما تجربة تستحق القراءة، فهي خلاصة تجارب حيوات بشر قرروا أن يفرغوا عصارة تجاربهم بين دفتي كتاب.

لم تفلح الحرب في أن تبعد أبناء سلمية عن الكتاب، بل هم من نجحوا في أن يمسحوا غبار الزمن عن أعمال فكرية ربما ظنها البعض منسية، وعادوا ليصنعوا من لحظات الانتظار الصعبة والطويلة مساحات تهدف إلى إعادة إعمار الإنسان، فالأوطان تُبنى بوعي أبنائها.

شارك هذا المقال

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

وفود كردية تتقاطر إلى القامشلي.. هل ينجح حلم الفدرالية؟

محرر الخليج

لقائي مع محمد بن زايد تجاوز التوقعات .. ويكشف عن إصلاحات هيكلية للتعافي اقتصاديا

محرر الخليج

“العدل” تشكل لجنة شؤون ترخيص مراكز خدمات الوساطة

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More