تقارير

دهن الشاورما والفروج المشوي.. بديل الفقراء عن اللحمة والفروج في مطابخ حلب

دهن الشاورما والفروج المشوي.. بديل الفقراء عن اللحمة والفروج في مطابخ حلب

«نبض الخليج»  

في أسواق حلب لم تعد المقارنة بين أسعار اللحوم والخضار أو حتى الخبز هي ما يحدد قدرة العائلة على الطبخ، بل بات السؤال أبسط وأكثر قسوة: هل يمكن إشعال المقلاة أصلاً؟

فزيت الطبخ، الذي كان يوماً أساس المائدة اليومية، أصبح بالنسبة لكثير من العائلات سلعة شبه فاخرةـ ومع تجاوز سعر لتر الزيت النباتي حاجز 2.2 دولار، وارتفاع سعر كيلو اللحم الأحمر إلى نحو 16 دولاراً، وبلوغ سعر الفروج نحو 2 دولارات بعد أن كان قريباً من 1 دولار فقط، تغير شكل الطبخ في بيوت كثيرة شرقي المدينة.

في الأحياء الشرقية من حلب، حيث الفقر المتراكم منذ سنوات، ظهرت بدائل لم تكن تخطر على بال أحد، من بين هذه البدائل ما يعرف محلياً بـ”دهن الشاورما” أو دهن الفروج المشوي، وهو ما يتبقى من الدهون التي تذوب في أثناء تحضير الشاورما في المطاعم.

هذا الدهن، الذي كان يُرمى في الماضي أو يُستخدم بكميات محدودة داخل المطعم، أصبح اليوم مادة يبحث عنها الفقراء لاستخدامها في القلي أو لإضافة نكهة دهنية إلى الطعام بدل اللحم أو الفروج.

وبين من يشتري هذا الدهن بثمن بسيط، ومن يحصل عليه مجاناً أحياناً من بعض المطاعم، تتشكل حكايات قاسية عن طرق جديدة للبقاء على قيد المطبخ.

إحدى هذه الحكايات تعود إلى فاطمة إسماعيل، أرملة تقيم في حي الأنصاري الشرقي وتعيل ستة أطفال، قصة فاطمة ليست حالة فردية، بل مرآة لواقع تعيشه مئات العائلات التي لم تعد تفكر في نوع الطعام بقدر ما تفكر في إمكانية طبخه أصلاً.

مطبخ فقير

داخل منزل صغير في حي الأنصاري الشرقي، تحاول فاطمة إسماعيل أن تدير مطبخاً يكفي سبعة أشخاص بما تيسر من المال، منذ وفاة زوجها قبل سنوات، أصبحت هي المعيلة الأساسية لأطفالها الستة، في حين يعمل ابنها الأكبر، البالغ من العمر 17 عاماً، في منشرة حجر.

دخل الابن، كما تقول فاطمة، بالكاد يغطي جزءاً من مصاريف البيت، في ظل ارتفاع الأسعار المتواصل.

تقول فاطمة، لـ موقع تلفزيون سوريا:

“نحن لا نتحدث عن رفاهية الطعام، بل عن الحد الأدنى الذي يجعل القدر يغلي على النار، راتب ابني، مع ما نحصل عليه من راتب زوجي المتوفي، لا يكفي لتأمين الزيت والخبز والخضار في أسبوع واحد، عندما يصل لتر الزيت إلى أكثر من دولارين، يصبح القلي نفسه قراراً صعباً”.

في السابق، كانت العائلة تعتمد على الفروج كبديل عن اللحوم الحمراء، نظراً لفارق السعر الكبير، لكن هذا الخيار بدأ يختفي تدريجياً أيضاً.

تضيف فاطمة:

“حتى الفروج الذي كان طعام الفقراء لم يعد كذلك، حين يصل سعر الكيلو إلى ست دولارات، فهذا يعني أن عائلة مثل عائلتنا لا يمكن أن تشتريه إلا في مناسبات نادرة جداً”.

ومع تضاؤل الخيارات، بدأت فاطمة تبحث عن طرق أخرى للطبخ في رمضان، هكذا تعرفت للمرة الأولى على فكرة استخدام دهن الشاورما.

الدهن الذي يتبقى من سيخ الشاورما في أثناء الشواء يُجمع في بعض المطاعم، ويباع أحياناً بكميات صغيرة وبسعر أقل بكثير من الزيت النباتي، وبالنسبة لفاطمة، لم يكن الأمر خياراً صحياً أو مثالياً، لكنه كان الحل الوحيد المتاح.

وتقول فاطمة في حديثها لـ موقع تلفزيون سوريا:

“هذا الدهن يؤدي وظيفتين في آن واحد، فهو بديل عن الزيت في القلي، ويعطي الطعام شيئاً من الطعم الدسم الذي يفتقده الأطفال منذ زمن، عندما أقلي البطاطا أو البيض فيه، يشعر الأولاد أن الطعام أقرب إلى الطعام الدسم الذي يحتوي على لحم أو دجاج”.

تستخدم فاطمة هذا الدهن في معظم وجباتها اليومية، سواء لقلي البطاطا أو لتحمير البصل أو لإضافة نكهة إلى العدس والبرغل.

ورغم إدراكها أن هذا النوع من الدهون ليس الخيار الأفضل صحياً، إلا أن المسألة بالنسبة لها ليست مسألة تفضيل غذائي.

وتضيف:

“عندما يكون الخيار بين طعام غير مثالي وطعام غير موجود أساساً، فإن العائلة تختار ما يسد الجوع، فالفقراء لا يناقشون جودة الزيت، بل يبحثون عن أي شيء يساعدهم على الطبخ”.

دهن الشاورما

ومع مرور الوقت، لم تعد فاطمة الحالة الوحيدة التي تلجأ إلى هذا الحل، فكثير من سكان الأحياء الشرقية بدأوا يتوجهون إلى محلات الشاورما للسؤال عن الدهن المتبقي من الشواء.

في بعض الأيام، تستطيع فاطمة شراء كمية صغيرة منه بثمن بسيط، وفي أيام أخرى قد تحصل عليه مجاناً إذا كان المطعم سيقوم بالتخلص منه.

“في الماضي كنا نشتري اللحم ونفكر في أفضل طريقة لطهوه، أما اليوم نقف أمام محل الشاورما لنطلب بقايا الدهن، وهذه ليست حياة سهلة، لكنها الطريقة الوحيدة لإبقاء المطبخ مفتوحاً”، تقول فاطمة.

وتضيف:

“الأطفال لا يسألون كثيراً عن السبب، لكنهم يعرفون أن الطعام تغير، أحياناً أضع قليلاً من هذا الدهن في البرغل أو العدس ليصبح الطعم أغنى قليلاً، فيشعرون أن الوجبة ليست مجرد حبوب مسلوقة”.

هذا التحول في طبيعة الطبخ يعكس تغيراً أعمق في القدرة الشرائية للأسر، فالأطعمة التي كانت تعتبر أساسية، مثل الزيت والفروج، أصبحت بالنسبة لكثيرين خارج متناول اليد.

في مطبخ فاطمة، أصبح دهن الشاورما جزءاً من الروتين اليومي، فهي تستخدمه بحذر شديد كي يدوم لأطول فترة ممكنة.

“أتعامل مع كل ملعقة منه كما لو كانت كنزاً صغيراً، إذا نفد قبل أن أستطيع شراء المزيد، فإن ذلك يعني أنني سأضطر لطهي الطعام بالماء فقط”.

ورغم بساطة المكونات التي تستخدمها، تحاول فاطمة قدر الإمكان أن تحافظ على تنوع بسيط في الطعام.

لكن بالنسبة لها، يبقى هذا الحل مؤقتاً ومفروضاً بظروف قاسية، “لا أحد يتمنى أن يطعم أطفاله بقايا الدهون، لكن عندما تصبح المواد الأساسية بعيدة المنال، فإن الإنسان يتأقلم مع ما هو متاح”.

مخيم للنازحين قرب اعزاز بريف حلب الشمالي (تلفزيون سوريا)

بقايا مطبخ

في أحد مطاعم الشاورما في حي السكري، يقول مصطفى العمران (48 عام) صاحب مطعم القمة للشاورما، إن ظاهرة طلب دهن الشاورما لم تكن موجودة قبل سنوات، لكنها أصبحت اليوم أمراً متكرراً.

ويوضح العمران أن كثيراً من الأشخاص يأتون في نهاية اليوم ليسألوا إن كان هناك دهن متبقٍ يمكن أخذه.

ويضيف:

“في السابق كنا نتخلص من هذا الدهن أو نستخدم جزءاً بسيطاً منه في المطعم، اليوم يأتي أشخاص كثيرون يسألون عنه، وبعضهم يطلبه بوضوح ليستخدمه في الطبخ في المنزل”.

ويضيف أن المطعم غالباً ما يعطي هذا الدهن مجاناً لمن يطلبه، خاصة عندما يكون واضحاً أن العائلة تمر بظروف صعبة.

ويتابع: “نحن ندرك أن من يطلب هذه المادة لا يفعل ذلك بدافع الفضول، بل بدافع الحاجة، لذلك عندما يكون لدينا فائض منها نعطيه دون مقابل، لأن التخلص منه في القمامة بينما هناك من يحتاجه سيكون أمراً قاسياً”.

ويرى أن هذه الظاهرة تعكس مستوى الضيق المعيشي الذي تعيشه كثير من العائلات، “عندما يبدأ الناس بالبحث عن بقايا الدهون ليطبخوا بها، فهذا مؤشر واضح على أن القدرة على شراء المواد الأساسية أصبحت ضعيفة جداً”.

و بالنسبة لفاطمة، قد لا يكون دهن الشاورما حلاً دائماً، لكنه اليوم يمثل أحد آخر الخيارات المتبقية للحفاظ على مطبخ يعمل ولو بالحد الأدنى.

وفي مدينة اعتادت على مطبخ غني بالنكهات والتقاليد، يبدو أن كثيراً من العائلات باتت تعيد تعريف معنى الوجبة اليومية، ليس على أساس الطعم أو التنوع، بل على أساس القدرة على توفير أي شيء يمكن أن يوضع في القدر.

 

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

أميركا ستكون جزءًا من عملية حفظ السلام بغزة

محرر الخليج

6 مشاهد.. “الإمارات اليوم” ترصد ملامح انطلاق اليوم الأول من العام الأكاديمي الجديد

محرر الخليج

سباق مع الزمن لإنقاذ الطفل علي عبدي بعد سقوطه في بئر بريف تل أبيض

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More