تقارير

سوريا وفلسفة الحياد في منطقة الحروب

سوريا وفلسفة الحياد في منطقة الحروب

«نبض الخليج»  

منذ سقوط النظام الديكتاتوري، دخلت سوريا مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة تحاول فيها الإدارة الجديدة ألا تكون قرارات الدولة امتداداً لمحاور إقليمية، فسوريا اليوم أصبحت ميداناً سياسياً لاختبار مفهوم الحياد في أكثر مناطق العالم تعقيداً وصراعاً.

وفي قلب هذه المنطقة، حيث تتصارع القوى الإقليمية والدولية وتتقاطع مصالحها، يبرز السؤال الحاسم، ألا وهو: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تنأى بنفسها عن الحروب القائمة، أم أنَّ منطق الصراعات الإقليمية سيسحبها مجدَّداً إلى فوضى المحاور؟ إنَّ الإجابة على هذا السؤال تكمن في قدرة الدولة على تحويل الحياد إلى استراتيجية فلسفية حقيقية، تجعلها مستقلة عن إرادات الآخرين، وفي الوقت نفسه قادرة على حماية مصالح شعبها وبناء الدولة الحديثة.

إنَّ قرار سياسة الحياد، رغم عقلانيته، ليس خياراً سهلاً في منطقة يتبين فيها أنَّ الدول التي حاولت البقاء خارج المحاور غالباً ما وجدت نفسها أمام ضغوط سياسية واستراتيجية كبيرة؛ لأنَّ بنية الصراع الإقليمي تميل بطبيعتها إلى استقطاب الدول ودفعها نحو أحد الأطراف.

أولاً- الحياد بوصفه خياراً فلسفياً واستراتيجياً

الحياد السياسي هو في جوهره خيار فلسفي واستراتيجي يفرضه الواقع الجديد على سوريا بعد الثورة؛ لأنَّه يمثِّل محاولة واعية لإعادة تعريف موقع الدولة في خريطة الصراعات الإقليمية، فهو تجربة تأسيسية للدولة الجديدة في مواجهة التحديات المعقَّدة التي تحيط بها. إذ إنَّ الدولة خرجت من مرحلة طويلة من الارتباط بمحاور إقليمية لم تعد معنية بإعادة إنتاج السياسات القديمة، فقد أصبحت مدفوعة للبحث عن صيغة مختلفة لعلاقتها بالعالم. فسوريا اليوم لم تعد جزءاً من محور إقليمي تقوده إيران، وتتحكَّم بسياستها، ولم تعد رهينة المصالح والتحالفات التي كانت تحدِّد في السابق اتجاهات القرار السياسي. هذا الانفصال عن الماضي لا يمثِّل تحولاً في فلسفة السياسة الخارجية؛ لأنَّه يفتح المجال أمام إعادة صياغة العلاقات مع مختلف القوى، سواء الإقليمية، أو الدولية، على قاعدة أكثر وضوحاً، تتلَّخص بمصلحة الدولة السورية واستقرار المجتمع السوري قبل أيِّ اعتبارات أخرى.

إنَّ قرار سياسة الحياد، رغم عقلانيته، ليس خياراً سهلاً في منطقة يتبين فيها أنَّ الدول التي حاولت البقاء خارج المحاور غالباً ما وجدت نفسها أمام ضغوط سياسية واستراتيجية كبيرة؛ لأنَّ بنية الصراع الإقليمي تميل بطبيعتها إلى استقطاب الدول ودفعها نحو أحد الأطراف. لذلك تدرك سوريا الجديدة أنَّ موقعها الجغرافي يمنحها أهمية استراتيجية، ويضعها أيضاً في قلب شبكة معقَّدة من التوازنات الجيوسياسية،

وبالتالي فإنَّ أيَّ ضعف في رسم سياسات واضحة أو أيَّ تردُّد في تحديد الأولويات قد يستغل من قِبَل القوى الكبرى لتوجيه الدولة نحو مسارات تخدم مصالحها بعيداً عن مصالح السوريين. ولهذا فإنَّ السياسة السورية الجديدة تحتاج إلى بناء رؤية متكاملة تجمع بين الفلسفة السياسية والحنكة الاستراتيجية. والمطلوب هو الابتعاد عن النزاعات، والقدرة على إدارة العلاقات الإقليمية والدولية بوعي ومرونة؛ من خلال معرفة متى تبتعد الدولة عن صراعات الآخرين، ومتى تستخدم أدوات الدبلوماسية والتوازنات الإقليمية لتعزيز مصالحها، ومتى تدافع عن سيادة القرار السوري بثقة من دون الانجرار إلى دوامة الحروب. في هذا الإطار، يصبح الحياد السوري اختبار عميق لقدرة الدولة على بناء استقلالها الحقيقي.

الحياد السوري يتطلَّب سياسة خارجية مرنة تقوم على إدارة التوازنات الإقليمية بحذر ووعي، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار من جهة، واستقلال القرار السياسي من جهة أخرى.

ثانياً- الحياد السوري بين التحدِّيات واختبار الواقع

تواجه سوريا اليوم تحديات متعدَّدة تجعل من تحقيق الحياد اختباراً حقيقياً للسياسة وللفلسفة العملية في آنٍ واحد، فإلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي في قلب التوازنات الإقليمية، هناك تاريخ طويل من النفوذ الإقليمي والدولي داخل البلاد، إضافة إلى تشابك المصالح بين قوى متعدَّدة اعتادت النظر إلى الساحة السورية بوصفها جزءاً من حساباتها الاستراتيجية. لذلك فإنَّ أيَّ محاولة لبناء سياسة حياد لا يمكن أن تكون مجرد قرار دبلوماسي عابر، إنَّما هو عملية دقيقة تتطلَّب قراءة عميقة لموازين القوى في المنطقة، وفهماً لطبيعة الصراعات التي تشكِّل المشهد الإقليمي.

ومن جهة أخرى، هناك رغبة واضحة لدى سوريا الجديدة في الابتعاد عن إرث المحاور القديمة، وخصوصاً رفض العودة إلى التحالف الذي كان قائماً مع إيران في المرحلة السابقة، هذا الموقف يعكس تغييراً في التحالفات، ويعبِّر عن تحوُّل في إدراك معنى السيادة والاستقلال السياسي. غير أنَّ هذا التوجُّه نحو الاستقلال يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً متجدَّدة من القوى الإقليمية والدولية التي قد تحاول استغلال مرحلة التحوُّل في سوريا لدفعها نحو صراعات أو اصطفافات لا تخدم مصالحها.

لذلك تتحوَّل سوريا إلى حالة اختبار لفكرة الحياد في منطقة تتمُّ إدارة سياساتها غالباً بمنطق الحروب والتحالفات المتنافسة، لتختبر قدرتها على تجنُّب المشاركة المباشرة في النزاعات، وقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف من دون الانجرار إلى محور معين، وهذا يعني أنَّ الحياد السوري يتطلَّب سياسة خارجية مرنة تقوم على إدارة التوازنات الإقليمية بحذر ووعي، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار من جهة، واستقلال القرار السياسي من جهة أخرى.

لهذا السبب يبدو الحياد السوري أكثر من مجرد موقف استراتيجي مؤقَّت؛ إنَّه محاولة لبناء فلسفة عمل للدولة الحديثة، فنجاح سوريا في الحفاظ على هذا التوازن في بيئة إقليمية مضطربة سيكون دليلاً على قدرتها على حماية سيادتها وصياغة دورها السياسي بإرادة مستقلة، حتى في منطقة تبدو الحروب فيها في كثير من الأحيان القاعدة أكثر من الاستثناء.

ختاماً، تقف سوريا اليوم أمام اختبار مختلف، وهو القدرة على الإفلات من الحروب والخوض فيها، فالحياد هنا ليس تراجعاً عن السياسة، بل محاولة لإعادة تعريفها؛ من خلال سياسة مبنية على حماية المجتمع قبل الانخراط في صراعات الآخرين. وإذا نجحت سوريا في ترسيخ هذا الخيار قد تكون أعادت طرح سؤال عميق، ألا وهو هل يمكن للدولة أن تثبت قوتها بالابتعاد عن الحرب، لا بالدخول فيها؟

شارك هذا المقال

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

محافظة دمشق تطلق مشروع “الأكشاك الحضارية” لدعم أصحاب الدخل المحدود

محرر الخليج

تخفيف العقوبات عن النفط الروسي لن يعود بالفائدة على موسكو

محرر الخليج

هجماتكم لا تعكس أي حسن نية اتجاه جيرانكم

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More