«نبض الخليج»
ولا يكاد يخلو هاتف اليوم من «مجموعة عائلية» تجمع أفراد العائلة في مساحة واحدة، مليئة بالرسائل اليومية والصور والمقاطع المتداولة والاقتراحات التي تبدأ بـ«حماس جماعي كبير»، قبل أن تتوقف فجأة عند أول عائق تنظيمي، أو الرسالة الأولى التي تقول «دعونا نؤجلها إلى حين». وبحسب آراء المواطنين، فإن بعض «المجموعات» العائلية، خاصة الكبيرة منها، تحولت إلى فضاء مليء بالقرارات المؤجلة، بدءاً من الرحلات البرية و«النزهات الجماعية»، مروراً بالمشاريع الزراعية والاستراحات، وحتى الولائم الأسبوعية التي تناقش فيها التفاصيل الدقيقة، ثم تختفي بهدوء دون أي تنفيذ فعلي، وكأنها لم تطرح على الإطلاق.
ومن النوادر المتداولة داخل بعض «المجموعات» العائلية تكرار العبارات ذاتها في كل مرة يقترح فيها مشروع جديد، مثل «الموضوع سيناقش في جلسة»، «خلونا نرتبه صح»، «بعد العطلة إن شاء الله»، و«سنذهب الأسبوع المقبل». وهي عبارات يعتبرها البعض إشارة واضحة إلى أن القرار دخل رسمياً مرحلة التأجيل الطويل. كما أن بعض الصور المتداولة ضمن «المجموعات» أصبحت تستخدم سنوياً لنفس المشروع، سواء كانت صور مزارع أو مخططات للاستراحات أو أماكن للجلوس في الهواء الطلق، وسط تعليقات ساخرة من أفراد الأسرة أنفسهم، مثل «لقد رأينا هذه المزرعة أكثر من بيوتنا».
وأكد مختصون أنه على الرغم من الطبيعة الكوميدية التي أحاطت بهذه القرارات المؤجلة، إلا أن هذه المجموعات تظل مساحة مهمة للحفاظ على التواصل العائلي، حتى لو لم تغادر بعض المشاريع شاشة الهاتف أبداً.
وتفصيلاً، قالت المحاضرة والمدربة الدولية في القيادة والتوعية المجتمعية عائشة الكندي، إن «المجموعات العائلية» أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للأسرة، وساهمت في تعزيز التواصل بين الأقارب والتخفيف من أثر انشغالات الحياة والمسافات. ومع ذلك، فإن العديد من القرارات التي يتم طرحها فيها تعتمد على الحماس اللحظي أكثر من التخطيط الواقعي.
وأوضحت أن المشاريع العائلية، مثل شراء المزارع أو تنظيم النزهات الجماعية، غالباً ما تبدأ بطاقة جماعية عالية، لكن كثرة الآراء والرغبة في إرضاء جميع الأطراف تجعل التنفيذ أكثر صعوبة، لافتة إلى أن بعض المناقشات تتحول مع مرور الوقت إلى مساحة للترفيه وتبادل الحكايات بدلاً من خطوات عملية حقيقية.
وأضافت أن الملفت في بعض «المجموعات» هو تكرار نفس السيناريو في كل مرة، حيث تبدأ الفكرة بحماس واسع، ثم تدخل مرحلة تفاصيل كثيرة، قبل أن تتراجع تدريجياً مع انشغال الأفراد أو اختلاف الجداول، مؤكدة أن هذا النمط أصبح مادة كوميدية شائعة، حتى بين أفراد الأسرة أنفسهم.
وأكدت أن الجانب الإيجابي يبقى حاضرا رغم تأجيل القرارات، لأن هذه “المجموعات” تحافظ على الروابط الأسرية وتخلق مساحة يومية للتفاعل، حتى لو ظلت بعض المشاريع “متوقفة” لسنوات ضمن نفس الحديث، فيما قال استشاري الصحة النفسية محمد يحيى نصار، إن دور “المجموعة العائلية” لا يقتصر على كونها وسيلة تواصل يومي فقط، بل أصبحت مساحة اجتماعية تمنح الأفراد شعورا دائما بالقرب والانتماء، خاصة في ظل ضغوط الحياة اليومية وسرعتها وتيرة.
وأوضح أن التفاعل ضمن «المجموعات»، حتى لو اقتصر أحياناً على متابعة الرسائل أو قراءتها فقط، يساهم في تقليل مشاعر العزلة وتعزيز الشعور بالأمان النفسي، لافتاً إلى أن الرسائل اليومية البسيطة والصور والمشاركات العائلية تحمل أبعاداً عاطفية تتجاوز محتواها الظاهري.
وعن القرارات العائلية التي تبدأ بحماس كبير ثم تتوقف فجأة، أشار نصار إلى أن الكثير من هذه المواقف تنتج عما وصفه بـ”الحماس الجماعي اللحظي”، حيث يتفاعل أفراد الأسرة عاطفيا مع الفكرة عند طرحها، سواء تعلق الأمر بالسفر أو شراء مزرعة أو تنظيم “نزهة جماعية”، دون تصور واضح وواقعي لآلية التنفيذ.
وأضاف نصار أن هذا الحماس يبدأ في التراجع تدريجياً عندما ندخل في التفاصيل العملية، مثل تنسيق المواعيد وتوزيع المسؤوليات واختلاف الأولويات بين أفراد الأسرة، مما يؤدي إلى فقدان الزخم وتتحول الفكرة إلى نقاش مفتوح غالباً ما ينتهي بالتأجيل.
وأكد أن غياب المسؤول عن تنظيم القرار وحسم التفاصيل من أبرز أسباب فشل هذه الخطط، حيث يتم طرح الأفكار بشكل جماعي ضمن “المجموعات” دون آلية واضحة للتنفيذ، فتدور المناقشات في دائرة متكررة تنتهي بعبارات مألوفة مثل “سنعود إليها لاحقاً”، أو “الأسبوع المقبل إن شاء الله”.
من جهتها، قالت المواطنة مريم محمد النقبي، إن فكرة شراء مزرعة عائلية تطرح منذ سنوات داخل «المجموعة» العائلية، وفي كل مرة تبدأ المناقشات بحماس كبير، مع إرسال صور مناطق الجلوس الخارجية والمسابح والتصميمات الحديثة، قبل أن يتحول النقاش سريعاً إلى خلاف حول الموقع أو الميزانية.
وأضافت أن بعض أفراد الأسرة يتعاملون مع المشروع وكأنه «مدينة متكاملة»، إذ يطالب أحدهم بإضافة ملعب، فيما يقترح آخر تربية الطيور أو تخصيص حصص شتوية وصيفية، لينتهي الأمر في النهاية برسالة تقول: «لنعود إليها بعد العيد».
وقال المواطن جاسم الرئيسي إن أكثر ما يلفت النظر في «المجموعة العائلية» هي المناقشات الطويلة التي تسبق أي «نزهة جماعية»، رغم أن الكثير منها لا يصل إلى مرحلة التنفيذ، مشيراً إلى أن اختيار المطعم وحده قد يتحول إلى سلسلة طويلة من الأصوات والاقتراحات، وإرسال المواقع الإلكترونية وحسابات المطاعم عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة من كل طرف لإقناع بقية أفراد العائلة باختياره المفضل.
وأضاف أن بعض أفراد الأسرة لا يشاركون في المناقشة منذ البداية، ثم يظهر أحدهم بعد الاتفاق شبه النهائي ليسأل عن التفاصيل مرة أخرى، مثل المكان والموعد ومن سيحضر، مما يؤدي إلى إعادة المناقشة بالكامل وتغيير الخطة مرة أخرى، لافتًا إلى أن العديد من «الخرجات» ينتهي بها الأمر إلى التأجيل بعد ساعات طويلة من الترتيب والمناقشة داخل «المجموعة».
وقال المواطن عبد الرحمن الحمادي، إن بعض “المجموعات” العائلية تحتاج فعلياً إلى “لجنة تنظيمية” لتتمكن من تنفيذ أي قرار، خاصة مع كثرة الآراء وتضارب المواعيد. وأوضح أن أي اقتراح بسيط سرعان ما يتحول إلى عشرات الرسائل والتفاصيل الجانبية التي تؤدي في النهاية إلى التأجيل.
وأشار إلى أن العبارات نفسها تتكرر دائما داخل «المجموعة»، مثل «سنؤكد الليلة»، و«خلينا ننسق»، و«الأسبوع القادم إن شاء الله»، حتى أصبحت هذه الجمل جزءا ثابتا من يوميات «المجموعة» العائلية، وسط تفاعل ساخر من الأعضاء أنفسهم.
وأضاف الحمادي أن بعض «المجموعات» تحولت فعلياً إلى «استطلاعات رأي مفتوحة» لا نهاية لها، حيث يتم التصويت على كل شيء، بدءاً من نوع العشاء، وحتى لون الجلسات في مزرعة المستقبل، وسط تعليقات ساخرة من أفراد الأسرة أنفسهم، مثل «هذه المزرعة رأيناها أكثر من بيوتنا»، فيما يبقى التنفيذ غائباً تماماً.
وأكد أن المشكلة لا تكمن في قلة الرغبة، بل في كثرة الحماس اللحظي، على عكس غياب الشخص المسؤول عن القرار والتنفيذ الفعلي، خاصة في الأسر الكبيرة التي يصعب جمع أفرادها على موعد واحد.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
