منوعات

التوازن بين الاستعداد للحرب وإظهار القوة في أوقات السلم

التوازن بين الاستعداد للحرب وإظهار القوة في أوقات السلم

إنّ أمنَ الوطن وسلامته مسؤوليةٌ جَمْعية تتطلب توازناً دقيقاً بين الاستعداد الحربي في أوقات الأزمات، ومظاهر القوة الوقائية في أوقات السلم. تبرز هنا مكانةُ الدفاعات الأردنية —من منظومات مادية وبشرية، إلى منظومةٍ اجتماعية وسياسية— كخيطٍ رابطٍ يحفظ للبلاد وجودها وكرامتها. وفي قلب هذه المعادلة يقف المخزون القيمي والمهني للمقاتلين والمتقاعدين العسكريين الذين يحملون خبراتٍ عميقةَ، ورؤيةً وطنيةً ثابتةَ، وهم على الدوام خطٌّ ثانٍ يُعول عليه في محطات التحدي.

أولاً: الدفاع في زمن الحرب — عن متانة التحصينات وثبات العزيمة
الأمن القومي لا يَنبُعُ من الأسلحة وحدها، بل من منظومة قوامها التخطيط الاستراتيجي، سرعة القرار، وتكامل القدرات. تمتلك منظومة الدفاع الأردنية تاريخاً طويلاً من التوازن بين القدرات التقليدية والمرونة العملياتية. ولكنّ المتانة الحقيقية تُقاس بمدى قدرة المؤسسات على التكيّف مع المتغيرات، وحجم الاستعداد المؤسسي لاستيعاب صدماتٍ مفاجئة سواءً كانت عسكرية أو أمنيّة أو إنسانية.

في الحرب، تأتي كفاءةَ الأجهزة من توافر قياداتٍ مدربة، خطوط إمدادٍ موثوقة، نظم اتصالٍ آمنة، وتكاملٍ مع حلفاءٍ وإخوةٍ إقليميين ودوليين. لكن الأهم هو عنصر الإنسان: الجنود والضباط والمتقاعدون الذين يعرفون أرضهم، ويفهمون طبائعها، ولديهم القدرة على تحويل الموارد المحدودة إلى تأثيرٍ فعّال. التجربة تُعلّم أنّ الانتصار في ظروفٍ صعبة يعتمد بالدرجة الأولى على الانضباط، الخلق العسكري، والتخطيط الذكي لا على تراكم الأسلحة فحسب.

ثانياً: الدفاع في زمن السلم — استثمار الوقاية والقدرة الردعية
في السلم تُبنى الردعية عبر تقوية الاقتصاد، ضمان وحدة الصف الوطني، وتعزيز جاهزية المؤسسة العسكرية من خلال التدريب المستمر والتحديث المؤسسي. الاستثمار في البحوث العسكرية، الأمن السيبراني، وتطوير وحدات الاستجابة السريعة يجعل الدولة أقل عرضةً للمخاطر. كما أن شراكـة المجتمع مع المؤسسة العسكرية — من خلال برامج مدنية تعليمية وتوعوية — تثبت جيلياً مفهومَ أن الدفاع لا يتقيد بساحة القتال، بل يمتد إلى كلّ بيتٍ، وكلّ مدرسة، وكلّ مؤسسة.

ثالثاً: المتقاعدون العسكريون — رصيدٌ لا يُقدّر بثمن
المتقاعدون العسكريون هم موسوعةٌ متحركة للخبرة والمعرفة. خبراتهم في القيادة، اللوجستيات، التخطيط وإدارة الأزمات تجعلهم مورداً هائلاً يمكن استثماره بطرق عدة دون المساس بكرامتهم أو الاستغلال:

• الاحتفاظ بدورٍ استشاري رسميّ في وحدات الاحتياط والتدريب.
• الاستفادة منهم في تدريب الأجيال الشابة على الانضباط والقيادة، وبناء برامج مهنية تُحوّل خبرتهم إلى منهجية تدريبية منظمة.
• إشراكهم في وحدات الحماية المدنية والدفاع الشعبي، حيث يمكن لخبراتهم أن تعزز قدرة الدولة على الاستجابة للكوارث والأزمات الإنسانية.
• فتح قنوات للتطوع المؤسسي تُدمج المتقاعدين في البرامج الوطنية دون تعارض مادي أو قانوني مع وضعهم الاجتماعي.

رابعاً: التحديات والمعالجات المقترحة
رغم القيمة الكبيرة، يواجه استثمار خبرات المتقاعدين تحديات عملية: غياب آليات تنظيمية لاحتضان دورهم، قصور في برامج التأهيل المدني، ومشكلات اجتماعية وصحية قد تحدّ من مشاركتهم الفاعلة. وللمعالجة:

1. سنّ تشريعات ونظم ترعى مشاركة المتقاعدين (حوافز قانونية، برامج إعادة تأهيل مهنية، إشراك رسمي في الاحتياط).

2. إنشاء مراكز تدريب مشتركة تجمع بين القوات النظامية والمتقاعدين لتبادل الخبرات وتحديث المعارف.

3. تبنّي سياسات صحية ونفسية مصممة خصيصاً للمجتمع العسكري المتقاعد، لأنّ القوة الحقيقية تبدأ من صحة القواعد البشرية.

4. بناء منصات تواصل بين الجهات الأمنية والمدنية لتحديد احتياجات البلاد في الأزمات وإشراك الخبرات المناسبة بسرعة وكفاءة.

خاتمة: في الحرب والسلم نحتاج إلى جاهزية متكاملة
إنّ الأمن الوطني ليس رفاهية بل استثمارٌ مستمر، والمتقاعدون العسكريون هم رأس مالٍ بشري لا يجوز إهماله. علينا أن نعمل معاً—حكومةً ومؤسساتٍ ومجتمعاً—لتحويل هذه العِبءَة النبيلة إلى قوةٍ منتجة ومستدامة تخدم الوطن في كل الأوقات. عندما تُحرَص الإجراءات على كرامة الإنسان، وتُصان الخبرة، وتُبنى مؤسساتٌ مرنة، عندها فقط نكون قد أمنا وطننا حقاً: في الحرب صامدون، وفي السلم أقوى.

منشورات ذات صلة

السفير الألماني في عمان يحاضر في كلية الدفاع الوطني.. ماذا قال لهيئة توجيه الكلية؟

محرر الخليج

شحادة أبو هديب: البوتاس تخصص 10 ملايين دينار سنوياً للمسؤولية المجتمعية.. والشركة نفذت خلال سنة ونصف مشاريع بقيمة 24 مليون ديناراً

محرر الخليج

ولي العهد يترأس اجتماعا دوريا للمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل (صور)

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More