«نبض الخليج»
لا يبدو أن الخلاف بين معارضي الداخل السوري ومعارضي الخارج مجرد اختلاف سياسي يمكن تفسيره فقط بتباين المواقف من السلطة الجديدة أو من المرحلة الانتقالية. هناك، في العمق، طبقة أخرى أكثر حساسية ولو أنها لا تبدو واضحة. طبقة نفسية ووجدانية يتناقض فيها الحال بين تجربة العيش اليومية بالمقارنة مع الذاكرة الشخصية الثابتة عن معنى الوطن. ربما لهذا السبب يبدو الحوار بين الطرفين صعباً.
كثيراً ما يشعر من يعيش داخل سوريا أن بعض المعارضين في الخارج لا يتفهمون الرسائل التي تُكتب من أجل السلم الأهلي، وهو الشرط الذي تحتاجه البلاد اليوم أكثر من أي شيء آخر. الكتابة التي أتحدث عنها هنا ليست من النوع الذي يهدف لتبرير الكوارث والأخطاء ولا للصمت عن الانتهاكات، وهذا بالنسبة لي على الأقل لم ولن يحدث، بقدر ما هي محاولة صياغة خطاب يخفف الاحتقان ويمنع المجتمع من الانزلاق إلى صدامات جديدة. والمستهدف عموماً بهذا الخطاب الناس والمجتمعات الأهلية أكثر من الحكام الجدد. لكن هذه النبرة المنفتحة على الحلول غالباً لا تجد لها رواجاً ولا حتى آذاناً تسمع في الخارج، حيث لدى الأغلبية هناك قراءة مختلفة تماماً، فيرون فيما نكتب نوعاً من التراجع أو المساومة أو أقلّه تكيّفا استسلاميا مع الواقع السياسي الجديد. وهناك من لديهم رؤى مرَضيّة أكثر سوءاً تبحث في النوايا والضمائر، وأنا هنا لست بصدد هؤلاء.
على الدوام، يبدو خطاب جزء من معارضي الخارج أكثر صدامية وحدّة. لكن للأسف، عندما يظنون أنهم يوجهونه ضد السلطة الجديدة، فإنهم لا ينتبهون إلى أن بعض هذا الخطاب يصيب المجتمع نفسه، فيساهم في زيادة تذريره وتفكيكه، ويعمّق الانقسامات التي لم تلتئم بعد، حتى لو أنهم لا يقصدون ذلك. الأدهى أنه لا بأس، لدى بعض الصقور منهم، أن يحترق البلد مرة أخرى، فالمهم أن يبقى الخطاب السياسي متطهراً حتى لو كان تبسيطياً إلى درجة السذاجة خالياً من أي قدرة على مجاراة التعقيد السياسي الذي تعيشه سوريا والإقليم. خرائط النفوذ والتحالفات تنقلب في المنطقة والعالم، رأساً على عقب، وهم ما زالوا يرددون أفكاراً تبدو أخلاقياً مُكررة ومُستهلَكة، عدا عن أنها لا تمتّ إلى الواقع المتحرك سياسياً بأي روابط.
أحاول تقديم أفكار أظن أنها قد تفيد، حتى لو اختلف الناس حولها. لذلك، كثيراً ما أجد تأييداً من معارضين في الداخل، بينما يأتيني هجوم من بعض معارضي الخارج
في الداخل، يعايش السوريون السياسة كل يوم في الشارع والعمل والعلاقات الاجتماعية، أما في الخارج فتظل السياسة، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الموقف النظري أو الأخلاقي المجرد. من يعايش الداخل يعرف أن كلمة واحدة، سلباً أو إيجاباً، قد تفتح جرحاً أو تغلقه، وأن جملة صغيرة قد تثير خوفاً حقيقياً لدى أناس يعيشون القلق يومياً. أما من يعيش بعيداً، فغالباً ما يكون أقل استشعاراً لهذه الحساسية الدقيقة، ليس لأنه أقل وطنية، لكن للسبب الذي
ذكرناه، بأنه أقل احتكاكاً بالنتائج المباشرة للكلمات. من تجربتي الشخصية، يحدث أحياناً أن أكتب مادة أعتقد أنها موضوعية تحاول التفكير في مستقبل أفضل، فأجد من يفتش في المقال كله عن جملة واحدة لا توافق رأيه. فإذا وجدها، صار ذلك كافياً لإسقاط النص كله، بل أحياناً إسقاط وإدانة صاحبه. عادة أبتسم بمرارة في مثل تلك الحالات.
أي قول في هذه المرحلة الخاصة، كما أعتقد، هو محاولة للفهم والحوار، وليس بياناً سياسياً ينبغي أن يكون خالياً من أي مفردة “شائبة” تستدعي مثل تلك الاستنفارات العدائية. شخصياً، حين أكتب، أتوجه غالباً إلى القارئ لا إلى الحكام. أحاول تقديم أفكار أظن أنها قد تفيد، حتى لو اختلف الناس حولها. لذلك، كثيراً ما أجد تأييداً من معارضين في الداخل، بينما يأتيني هجوم من بعض معارضي الخارج، يشابه ما يأتيني من مؤيدي السلطة عندما أنتقد سياساتها وكوارثها. هذا ما يحدث في كل مادة لي تقريباً. مفارقة تبدو مؤلمة، تأتي من أشخاص أفترض أن الذاكرة الأليمة يجب أن تجمعنا أكثر مما يمكن للرؤيا السياسية الراهنة أن تفرقنا. فتنتابني أحياناً الرغبة بالشفاء من إدمان الكتابة.
في توصيف هذا، ربما تساعدني استعارة التعبير الأدبي الشهير “الذئاب الجريحة” وهو تشبيه مُلتبس. فالصورة تشير إلى شجاعة تبدو غير متوقعة من ذئب جريح، لكنها في حقيقتها شجاعة مشوبة بالخوف ناتجة عن الضعف، والضعف خطر كبير في الحياة البريّة، ولكن من منّا ليس خائفاً اليوم؟ الذئب الجريح في الطبيعة وبمنظور علم سلوك الحيوان، بعيداً عن النصوص الأدبية، لا يهاجم لأنه قوي، بل لأنه خائف ومحاصر. أكثر شراسة لأنه يشعر بالتهديد ويمكن وصف سلوكه بأنه عدوانٌ دفاعي. معظمنا اليوم ذئاب جريحة وخائفة ولهذا ربما نهجم دون تبصُّر.
يبدو أن النظريات أحياناً تتحول لتغدو أكثر صلابة من الواقع، فنرغب أن يكون الجميع على صورتنا، دون أن نحتمل الاختلاف حتى على جزئية صغيرة. يصل الأمر أحياناً إلى مفارقة قاسية تقودني إلى اعتقادٍ، قد يكون فيه الكثير الظلم، بأن البعض رغم معارضته التاريخية، كان يفضّل بقاء نظام الأسد على أن يأتي بديل لا يشبه الصورة التي رسمها. بديلٌ ذهني ليست له أي حوامل في الواقع، سوى أنه ما زال يعيش في العقول، فكل المعطيات تشير إلى أن سوريا فيها من التعقيدات ما يجعلها أمام درب عسير وطويل جداً من أجل الوصول للاستقرار في يوم ما.
معارضو الداخل، كما عاينتُ شخصياً، يخافون من انفجار قادم محتمل، أما المعارضة المغتربة، بحسب متابعتي، فإنها تخاف أكثر من ضياع معنى ما ناضلت من أجله.
طبعاً لا يمكن رد هذا الخلاف إلى سوء النية، فهذا تبسيط مريح لكنه غير صحيح. فالاغتراب نفسه تجربة نفسية معقدة. من يعيش خارج بلده سنوات طويلة يحمل صورة ثابتة تقريباً عنه. لكن البلد، كما أهله، يستمر في التغير، خصوصاً لو عاش الناس ما عاشوه خلال حقبة حرب الأسد على السوريين. وعندما يتصادم التصور بالواقع الجديد ينشأ سوء فهم عميق، مَكمَنه بُعدُ المسافة بين الواقع والصورة الذهنية. مما يعني أن الفرق، في النهاية، هو في التجربة الخاصة أكثر منه في الوطنية أو التمسك بالمبادئ. فبينما يعيش الداخل كل أنواع ضغوط الحاضر، فإن الخارج، كما يبدو لي، يعيش ثقل وضغط الذاكرة. معارضو الداخل، كما عاينتُ شخصياً، يخافون من انفجار قادم محتمل، أما المعارضة المغتربة، بحسب متابعتي، فإنها تخاف أكثر من ضياع معنى ما ناضلت من أجله.
ختاماً، أرى أن الخلاف هنا قد يتجاوز السياسة إلى نوع من الاختلاف في ترتيب الأولويات، بين الميل إلى حماية الاستقرار مع إدارة الممكن، وبين التمسك بنقاء المثال، ولذا تتحول اللغة إلى ميدان للصراع. ربما كانت واحدة من الصعوبات، غير الملحوظة، في التجربة السورية على هامش إسقاط نظام الأسد وبناء نظام جديد، هي تعلم الإصغاء إلى بعضنا البعض من جديد. والميل إلى السلوك الإيجابي المتوجب علينا كشرط لنجاة سوريا ونجاتنا جميعاً.
شارك هذا المقال
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
