«نبض الخليج»
بين النبوءات القاتمة التي تحذر من زلزال قد يؤدي إلى القضاء على الملايين من الوظائف المكتبية، والوعود الوردية التي تبشر بإنتاجية متفوقة، يشهد قطاع التكنولوجيا العالمي اليوم حالة من الانقسام الحاد. في مقدمة هذا المشهد صراع صارخ في الرؤى بين قطبي صناعة الذكاء الاصطناعي. شركتي “OpenEI” (OpenAI) و “الإنسانية” (أنثروبي).
هذا الصراع الفكري بين معسكر يروج للمبالغة وآخر يميل إلى الاستخفاف، يرى أكسيوس أنه يفرض غموضا معقدا يحرم الشركات وصناع السياسات والجمهور من استشراف المستقبل بوضوح، في حين يميل الواقع على الأرض إلى اتخاذ أرضية وسطية تعيد تشكيل سوق العمل دون تدميره بالكامل.
صراع الأيديولوجيات
وقد تجسد هذا الانقسام بشكل واضح هذا الأسبوع على منصتين عامتين، مما عكس الفجوة العميقة بين الشركتين اللتين تقودان الثورة الرقمية الحالية:
جبهة التحذير والتشاؤمأنثروبي): من على مسرح مؤتمر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الفاتيكان، اختار كريس أولاه، المؤسس المشارك للشركة، نبرة حذرة وصارمة تتماشى مع رؤية رئيسه التنفيذي، معلناً أن “هناك احتمالاً حقيقياً وكبيراً بأن تحل هذه التقنيات محل العمالة البشرية على نطاق واسع للغاية”.
جبهة التفاؤل والهدوء (OpenAI): من ناحية أخرى، ظهر سام التمان الرئيس التنفيذي للشركة بنظرة أكثر تفاؤلاً اعتذر فيها ضمنياً عن مبالغاته السابقة. وقال ألتمان في مقابلة مع مات كومين، الرئيس التنفيذي لبنك الكومنولث الأسترالي: “أنا سعيد للغاية لأنني كنت مخطئا، لأنني كنت أتوقع تأثيرا أكبر بكثير وإلغاء وظائف ذوي الياقات البيضاء المبتدئة مما حدث بالفعل حتى الآن”.
تسريح عمال ميدانيين بسبب «الفواتير الباهظة»
وعلى الرغم من تفاؤل ألتمان، استغلت جبهة المتشائمين موجة تسريح العمال العنيفة التي ضربت شركات التكنولوجيا مؤخرًا كدليل على أن مخاوفهم حقيقية:
شركة ميتا (ميتا) من خلال تسريح نحو 8 آلاف موظف، بالتزامن مع تخصيص ميزانية رأسمالية ضخمة للذكاء الاصطناعي تقدر بنحو 125 مليار دولار لهذا العام.
وحذت شركات كبرى مثل Coinbase، وPinterest، وShopify، وBlock حذوها، وجميعها ربطت بشكل واضح بين إعادة هيكلة القوى العاملة لديها وتوسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
تشرح صوفيا فيلاستيغوي، الرئيسة السابقة للذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت والرئيسة الحالية لشركة Velastegui Ventures، هذا المشهد بالقول: “الذكاء الاصطناعي يتطلب تدفقات نقدية مرعبة، وعمليات التسريح الحالية للعمال هي مجرد وسيلة تلجأ إليها الشركات لتعويض وموازنة هذه التكاليف المرتفعة”.
لغة الأرقام تعكس توقعات متشائمة
على الرغم من ضجيج خفض الوظائف، تظهر بيانات السوق مؤشرات نمو قوية تتناقض مع فرضية «إبادة الوظائف»:
تظهر الأبحاث التي أجرتها جامعة ستانفورد أن الارتفاع الطفيف في معدلات البطالة منذ عام 2023 تركز بشكل أساسي في القطاعات الأقل عرضة للذكاء الآلي والمتأثرة به.
تم تسجيل منصة التوظيف الشهيرة “إنديد” (بالفعل) قفزة بأكثر من 18% في طلبات توظيف مهندسي البرمجيات على أساس سنوي، في حين انخفض إجمالي الوظائف الشاغرة في الأسواق بنسبة 4.3% خلال الفترة نفسها.
أعلن كبير الاقتصاديين في LinkedIn:ينكدينوفي الآونة الأخيرة، نجحت الثورة التقنية بالفعل في توليد ما يقرب من 1.3 مليون إعلان وظائف جديد يتعلق بالقطاع.
صدمة الواقع: تأجيل الإنتاجية والتراجع
بدأ بريق الوعود التسويقية يتلاشى تدريجياً أمام لغة الحسابات. ووجدت الشركات الكبرى أن طفرة الإنتاجية الموعودة لم تتحقق بالسرعة المطلوبة لتبرير النفقات.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة أوبر (اوبر) أن تكاليف تشغيل هذه التقنيات أصبحت «من الصعب تبريرها». جاء ذلك بعد أسابيع قليلة من استنفاد مديره الفني ميزانية تكنولوجيا المعلومات المخصصة حتى عام 2026 لاستخدامات الذكاء الاصطناعي. وفي خطوة مماثلة، ذكرت تقارير لمجلة The Verge ومجلة Fortune أن مايكروسوفت بدأت بالفعل في تقليل تراخيص استخدام أداة Cloud Code (كلود كود) بسبب ارتفاع فواتيرها.
التحول الهيكلي غير المتوازن
إن السرد النهائي لـ “نهاية العالم المهنية” يفتقر إلى الدقة. إن سوق العمل لا يتجه نحو الانقراض، بل نحو تحول هيكلي غير متوازن. وسيشهد المشهد المقبل تقاطعاً معقداً يتضمن إلغاء الوظائف الروتينية في قطاعات معينة، يقابله نمو وخلق فرص عمل نوعية في قطاعات أخرى، في مرحلة انتقالية رمادية ترفض الخضوع للرؤية الأحادية لأي من المعسكرين المتحاربين.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
